يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

149

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )

سنة ، وطعن غيرهم في حديث قرظة هذا وردوه لأن الآثار الثابتة عن عمر خلافه . منها ما روى مالك ومعمر وغيرهما عن ابن شهاب عن عبيد اللّه بن عبد اللّه ابن عتبة عن عمر بن الخطاب في حديث السقيفة أنه خطب يوم جمعة فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها ، من وعاها وعقلها وحفظها فليحدث بها حيث تنتهى به راحلته ، ومن خشي أن لا يعيها فإني لا أحل له أن يكذب علىّ ، إن اللّه بعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالحق وأنزل معه الكتاب فكان مما أنزل معه الرجم وذكر الحديث . وهذا يدل على أن نهيه عن الإكثار وأمره بالإقلال من الرواية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنما كان خوف الكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وخوفا أن يكونوا مع الإكثار يحدثون بما لم يتيقنوا حفظه ولم يعوه ، لأن ضبط من قلّت روايته أكثر من ضبط المستكثر ، وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الإكثار ، فلهذا أمرهم عمر من الإقلال من الرواية . ولو كره الرواية وذمها لنهى عن الإقلال منها والإكثار ، ألا تراه يقول : فمن حفظها ووعاها فليحدث بها ، فكيف يأمرهم بالحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وينهاهم عنه . هذا لا يستقيم ، بل كيف ينهاهم عن الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويأمرهم بالإقلال منه وهو يندبهم إلى الحديث عن نفسه بقوله : من حفظ مقالتي ووعاها فليحدث بها حيث تنتهى به راحلته ، ثم قال ومن خشي أن لا يعيبها فلا يكذب علىّ . وهذا يوضح لك ما ذكرنا والآثار الصحاح عنه من رواية أهل المدينة بخلاف حديث قرظة هذا ، وإنما يدور على بيان عن الشعبي وليس مثله حجة في هذا الباب لأنه يعارض السنن والكتاب . قال اللّه جل وعز لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وقال وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وقال فيه النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وقال وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . صِراطِ اللَّهِ ومثل هذا في القرآن كثير ولا سبيل إلى اتباعه ،